عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

34

معارج التفكر ودقائق التدبر

الكتاب ، وبعث الرسول ، وأبان الصّراط المستقيم للناس ، وإشارة إلى أنّه برحمته العظيمة يجزي عباده المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات في جنّات النّعيم يوم الدين . * لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ( 6 ) . الإنذار : هو الإخبار بالعاقبة المؤلمة . أي : جعلناك يا محمّد نبيا رسولا ، وأنزلنا عليك القرآن ، المشتمل على بيان الصّراط المستقيم ، وأنت سائر عليه لا تخرج عن حدوده ، فأنت الأسوة الحسنة ، لتكليفك أن تنذر قوما الإنذار الّذي أنذره آباؤهم ، فأعرضوا عنه وأهملوه فهم غافلون ، مشغولون في أمور دنياهم ، واتباع أهوائهم وشهواتهم ، وضلالات المضلّين ، وعقائدهم الباطلة القائمة على الشّرك باللّه في ربوبيّته وإلهيّته ، وإنكار الجزاء ويوم الدّين . الغفلة : انصراف الذّهن عن ملاحظة الشيء ومراقبته ، مع وجوده في مجال الإدراك أو وجود أدلّته ، وإمكان إدراكه ، لولا وجود الصارف أو السّهو ، الّذي هو بمثابة إطباق الأجفان على العيون . يقال لغة : غفل عن الشيء يغفل غفولا وغفلة . والإنذار هو المهمّة الّتي تأتي بعد التّبليغ ، والدّعوة بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، والجدال بالّتي هي أحسن ، وترغيب من استجاب وأطاع بالعاقبة الحسنى في جنّات النعيم ، أمّا من أبى وعاند فلم يستجب لدعوة الحقّ ، فيأتي إنذاره بالعاقبة السّيّئة في جهنّم دار عذاب الكفرة المكذّبين . فذكر الإنذار الذي تسبقه مراحل دعويّة تقتضيها قواعد الدّعوة إلى اللّه ، والتّراتيب العقليّة الحكيمة ، يدلّ عن طريق اللّزوم الذّهنيّ على هذه المراحل .